Tunisiens Libres

Home

Home

http://tunisienslibres.blogspot.com/2016/03/blog-post_25.html

mardi 21 janvier 2014

صاحب الزنج ودين الحرية


صاحب الزنج ودين الحرية


سيد القمني 
الحوار المتمدن-العدد: 3866 - 2012 / 9 / 30 - 12:37 
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات 
    
 
 عقد استاذنا (طه حسين) فصلاً في كتابه ألوان , وقارن فيه بين ثورة العبد الأبيض الاسبرطي (سبارتاكوس) ضد روما من أجل تحرير العبيد ونيل الحرية , في القرن الأول الميلادي . وبين العبد الأسود (عبد الله بن على بن محمد) الذي قاد ثورة للعبيد السود المعروفين بالزنج ضد الخلافه الاسلامية , من أجل ذات الهدف , تحرير العبيد ونيل الحرية, ولكن في بلاد العرب , وفي العراق تحديداً , حيث عاصمة الخلافة. ومنذ طه حسين بالامس القريب تغير وجه الدنيا ، وجرت في النهر مياه كثيرة بمتغيرات عظيمة في العلم وفي الاخلاق وفي الانظمة الحقوقية وكافة الانظمة المجتمعية من اقتصاد الي سياسة , مما يتوجب معه اعادة قراءة حكاية صاحب الزنج مرة اخري, ولكن بعيون اليوم.
و(الزنج) هو المصطلح العربي الدال علي عبيد الامبراطورية العربية السود, والذين كان يتم خطفهم من قبل النخاسين من ساحل افريقيا الشرقي الاقرب , وغالباً من منطقة زنجبار وتنجانيقا (تنزانيا حالياً) , وبيعهم في اسواق العرب, للقيام بالاعمال الدنيئة مثل كسح المجاري وتطهير الانهار , وغالباً ما كان للامبراطورية عبيدها بمئات الالوف للقيام بهذه الاعمال الضرورية. ومن ثم انتسب هؤلاء العبيد الي موطنهم بالاسم الذي أطلقه عليهم أسيادهم, فهم زنوج ـــ من زنجبار. وهي ذات الاحداث التي جرت مرة أخري في الولايات المتحدة الامريكية بعد قرون طويلة, لكن النخاسين كانوا يخطفون فرائسهم هذه المرة من الشاطئ الافريقي الغربي الاقرب ، من نيجيريا والنيجر , لذلك أطلقوا عليهم في امريكا الاسم الذي يشير الي أصلهم الوطني , فهم ---- (نجرو).
 
وكانت أفريقيا بتخلفها الفارق في ذلك الزمان وحياة شعوبها البدائية بلا دولة ولا قانون ولا حماية, هي المكان الامثل لخطف العبيد دون خشية أي عواقب. ورغم أن استعباد الانسان لأخيه الانسان جريمة كبري بحق الانسانية بعيون اليوم, فان ما حدث في تلك الحقب القديمة علي ارض الواقع في الزمن العبودي بعيداً عن منظومة القيم المعاصرة, هو أن العبودية كانت النظام الاقتصادي العالمي الامثل الذي ساهم في قيام حضارات عريقة ودفع تقدم البشرية. كان السيد المالك يقوم بتسخير عبده في العمل ويكون للعبد أدني حصة من عائد هذا العمل, بما يكفي لاستمرار الحياه وأداء المطلوب منه, والفائض هو اضافة تنموية لكنها من نصيب السيد, وليس للعبد علي السيد سوي حق الايواء والطعام والرعاية الصحية المطلوبة للشغل . ومعلوم أيضاً أن ظهور الآلة البخارية القادرة علي العمل بشكل أكفأ من العبد, قد أدي الي سقوط هذا النظام المشين بإعلان ابراهام لنكولن الامريكي ثم الحرب الاهلية التي أنهت نظام العبودية.
وكذلك من المعلوم أن نظام العبودية قد لازم الدولة العربية الاسلامية منذ ظهورها, فقوانين الجهاد الاسلامية نشطت عمليات الاستعباد, وأمدت أسواق الرقيق بالبضاعة طوال الوقت, بتحويل أبناء الشعوب الحرة المفتوحة الي سلع, بعد أن أباحت لهم قواعد الجهاد الشرعية استباحة شعوب بكاملها, والاستيلاء علي الارض بمن عليها ملكاً للعرب وورثتهم وقفا عليهم وعلي نسلهم من بعدهم, حسبما انتهي اليه الخليفة عمر بن الخطاب, بدلا من توزيع الاراضي بما عليها من بشر علي الفاتحين وتمزيقها فوقفها بمن عليها لصالح عرب الحجاز.
هذا بينما يقول لنا مشايخ اسلام اليوم, بعد استقرار مفاهيم الحرية الراقية عالمياً, ان الاسلام قد وضع في مقاصده تحرير الرقيق بتحريضه علي العتق. وانه لم يلجأ لتحريمه مرة واحدة انما لجأ للتدريج, رغم أنه لم يتدرج فيما هو أهم ، وقام بتكسير آلهة العرب أمام أعينهم دفعة واحدة. وقد مات النبي تاركاً خلفه عبيده ضمن ما ترك, كذلك كل الصحابة وكل المبشرين بالجنة،
 
كان عندهم عبيدهم وجواريهم, وكان الامام علي أزهدهم في الدنيا وأفقههم في الدين, ولم يترك وراءه سوي تسع عشر جارية من ملك يمينه ، وقد ذكر بن القيم في زاد الميعاد أنه كان للنبي بالاضافة الي زوجاته الثلاث عشر ، أربع سراري 10/114 . غير عبيده ومنهم من كان يقربه منه ويحبه مثل (أبي مويهبة ) ( ابن كثير 7/244/السيوطي/الخلفاء/176). فان كان تحرير العبيد مسألة ضمن أغراض الاسلام, لكان النبي والصحابة هم الاولي بتنفيذ هذه الاغراض بتحرير عبيدهم وجواريهم, لكن هذا التحرير لم يكن ضمن أهداف الاسلام, لانه لو كان كذلك لكان النبي والخلفاء الاربعة والمبشرين بالجنة هم أول العاملين به.
ولو كانت حرية عدم الاستعباد وهي أدني ألوان الحرية مطلباً اسلامياً ، لطالب بما طالب به سبارتاكوس قبله بما يزيد عن ست قرون, بالغاء العبودية نهائياً, وتحرير عبيد البلاد المفتوحة علي الاقل ، لقد فعلها سبارتاكوس الوثني قافزاً بالبشرية خطوة حقوقية عظمي في مستقبل لم يكن قد أتي بعد , ولم يفعلها المسلمون لسبب بسيط, انها لم تكن ضمن جدول اهتمامات المسلمين الاوائل ، كما يدعي اليوم السدنة والكهنة من تجار الاسلام السياسي.
بل وتقدس النظام العبودي في الاسلام بفقه كامل للرقيق كطبقة مختلفة عن بقية الطبقات حقوقياً واجتماعياً وانسانياً, لذلك اهتم الفقه الاسلامي بفقه الرقيق لاعطاء كل ذي حق حقه, كذلك ورد التسري بالجواري في ثلاث وعشرين آية بالقرآن, وظل هذا النظام معمولا به حتي اكتشف الامريكان جور النظام العبودي وسوئه, ومع الايام تحول الي جريمة في نظر كل الهيئات الحقوقية العالمية بلا استثناء, حتي تم ايقاف العمل به في السعودية عام 1966 بعد أن قبل الوهابيون بالقرار الدولي صاغرين.
أما مصر فقد سبقت هذا الزمن الي الغاء العبودية باتفاق مع بريطانيا ، تم بموجبه انشاء مصلحة للرقيق ، مهمتها تنفيذ الاتفاقية لقطع دابر الاتجار بالرقيق, الذي يأتيها من الحبشة والسودان والنوبة المصرية. وبهذه الاتفاقية المصحوبة بأمر عال من الخديوي في 14/8/1877 تم القضاء علي العبودية في مصر, وهو الامر الذي ينص علي " أن بيع الرقيق السوداني أو الحبشي من عائلة الي عائلة ، يمنع كلياً من القطر المصري. بعد مضي اثني عشر سنة من تاريخ المعاهدة المذكورة. وبعد مضي المدة المحكي عنها, اذا كان أحد رعايا الحكومة المحليين يخالف الامر ويتجرأ علي بيع رقيق سوداني أو حبشي, تصير مجازاته بالاشغال الشاقة لمدة أقلها خمسة أشهر وأكثرها خمس سنوات ".
إن أقصي ما يمكن قوله بشأن موقف الاسلام من النظام العبودي, هو أن الاسلام قد أدخل اصلاحات علي نظام الرق ، وحاول حصر مصادره في رق الحروب, كما حرم عبودية الوفاء بالدين, لكن ذلك لم يمنع عبودية البيع والشراء لانها لم تحرم نصاً, وما ترتب عليها من عبودية الخطف, بينما ظل الجهاد قروناً متطاولة يزود أسواق العبيد بمعين لا ينضب, فيروي ابن الاثير أن غنائم البطل المسلم موسي بن نصير, في سنة 591 هجرية بلغت ثلاثمائة ألف رأس مسيحي, وأن موسي استقدم معه الي دمشق ثلاثين ألف عذراء من الأسر القوطية النبيلة /4/295.
وان الدارس لتاريخ الدولة الاسلامية, يعلم ان طلاب العدل السياسي والاجتماعي لم يتوقفوا عن مطلبهم رغم ما تعرضوا له من تنكيل وتكفير وجور. ولم تكن ثورة الزنج سوي مظهر عملي يفعل تلك المطالب ويجسدها علي أرض الواقع, مطالب الحرية والعدل الاجتماعي والسياسي.
استمر صاحب الزنج يمهد لثورته ست سنين فتحدث لأصحابه في أن يؤمروه عليهم, وأن يغامر بهم كما غامر الناس, وارتحل داعياً لنفسه بين العبيد الي هجر ثم الاحساء ثم البادية ثم البصره كرة اخري , وفي رمضان سنة 255هـ كان قد اتخذ القرار للقيام بمهمته التاريخية. بعد ان كان قد رتب اتصالاته بالرقيق الذين يعملون حول البصره في كسح السباخ واصلاح الاراضي واستخراج الملح, وفي غير ذلك من الاعمال الدنيئة الشاقة والتي سخرت لها الخلافة عشرات الالوف من هذا الرقيق الافريقي الاسود.
ساعة الصفر اقتحم عبد الله بن محمد بعبيد ما حول البصرة, مدينة البصرة, وخربها وقتل أهلها واستصفي ما عندهم من أموال ، وأخذ الأسري من أحرار العرب كما كان العرب يفعلون بغيرهم, وأخذ النساء الحرائر فوزعهن علي اصحابه سبايا بعد أن كن ربات خدور سادات. ويوماً وراء يوم كان جيش صاحب الزنج يزداد عدداً بالعبيد المحررين. ويزداد سيطره علي مساحات جديدة من أرض الخلافة, أقاليم وكور أصبحت تدفع الخراج لعبد الله بن محمد, تماماً كما فعلت جيوش العرب زمن الغزو الفاتح. ودخلت الخلافة عدة حروب ضد الزنج وكان نصيبها المزيد من الخسارة والانكسار, وبلغ صاحب الزنج مبلغاً أتخذ معه لنفسه ولقواده مدنا جديدة للاقامة فأنشأ لنفسه (المدينة المختارة) , واقام لقائد من قواده (المدينة المنيعة) ولآخر (المدينة المنصورة) , مما أصاب الخلافة بجزع شديد, وتم تكليف الموفق شقيق الخليفة بادارة حرب صارمة للقضاء علي ثورة العبيد.
ابتدأ الموفق باللعب علي نفسية العبد, فأرسل لعبد الله بن محمد يفاوضه ويرهبه, ويعرض عليه كلون من الاغراء المادي خمسة دنانير مقابل كل عبد يسلمه (أنظر كم كانت قيمة الانسان ؟) , فلم يحفل به ولا بعروضه ومضي في دعوته التحريرية , بل وبدأ منعطفاً آخر عندما قرر قبول الاحرار من الفقراء في جيوشه, مما أدي الي مزيد من هزيمة جيوش الخلافة.
وقررت الخلافة وضع كل امكانيات الامبراطورية للقضاء علي الزنج, وحشدت جيوشاً طارئة أمكنها السيطرة علي مجاري الانهار وحصار قنوات المياه المحيطة بمناطق الزنج المحررة. وأخذت سفن الموفق تجوب المياه تنادي الزنج للتخلي عن زعيمهم, ومن استسلم منهم أمنه الموفق وأكرمه واركبه معه سفينته ليعرض حاله علي زملائه المحاصرين, مع عرض آخر لرؤوس من قاوم من الزنج, فبدأ الجيش الثائر يستشعر الضعف والهوان والرهبه, وإزاء الحصار انتهي الامر باستسلام العبيد فرادي وجماعات لجيوش دولة الخلافة.
يري المؤرخون المسلمون أن عبد الله بن محمد لم يكن الا مغامراً شريراً تسبب في فتنة وخراب طمعاً في الرياسة, وتجدهم لا يسمونه الا الخبيث واللعين ، ولا يصفونه الا بعدو الله وعدو المسلمين, لكن تراهم بماذا كانوا يسمونه لو كان هو المنتصر؟ لذلك يري باحثون محدثون ومنهم أستاذنا طه حسين أنه كان رجلاً ذكي القلب بعيد الامل دقيق الحس ضابطاً لأمره مالكاً لارادته. كان يعيش في بغداد وعلي اتصال ببعض عبيد قصر الخلافه, فرأي الفساد عن قرب, ورأي عبادة اللذة والخلل الاخلاقي والاجتماعي فتكرهه نفسه, لكن هل كانت تكرهه لانها كانت نفس كريمة تحب الخير وتكره الشر وتطمع في العدل وتؤثر المعروف؟ أم كانت نفساً طموحا تريد أن تشارك في نعيم الاحرار؟
إن مطالعة ما حدث تطلعنا علي الاجابة.
الظاهرة الاولي الملفتة للنظر, هي ذلك الافتتان الشديد به بين الناس حتي حالفه فقراء الاحرار ، وخاضوا معه المعارك متحالفين رغم انه لم يكن قرشياً, ولا حتي عربياً , ولا نبياً , ولا رسولاً, ولا صاحب كتاب, ولا صحابي, ولا صاحب معجزات, ولا هو حتي أبيض اللون كالبشر الأسوياء انسانياً في زمنه. افتتن الناس به وأيدوه وهو العبد الاسود المفرد ضد الخليفة المؤيد من الله في اعتقاد زمانهم , والمؤيد من الشريعة ومن الاجماع ومن جيوش الامبراطورية بعد ذللك ظهيرا . لقد تصدوا مع عبد الله لجيوش الخليفة التي فتحت بلداناً وهزمت دولاً, وانتصروا في كل المواقع عدا الاخيرة, وفي زمنهم لم يعرفوا ما هي حقوق الانسان ولم يسمعوا عنها كما في أيامنا, ولم يعرفوا العقد الاجتماعي ولا مبادئ الثورة الفرنسية, ولم يعلموا ما هي الدساتير ولا البرلمانات . انها كانت روح الانسان الحرة التي ثارت علي السيد خليفة الله في أرضه, حتي لو كانت الثورة عليه كفراً كما يؤكده دوماً علماء السنة وفقه السنة علي اتفاق. لقد اختاروا الحرية ولو كانت مروقامن الشرعية, اختاروا الحربة علي العبودية في ظل الشرعية.
ولا يمكنا ان نزعم ان صاحب الزنج كان مدعوما من امريكا أو عميلاً لاسرائيل, أو انه تعرض لضغط أو تأييد من الرئيس بوش ، بينما في ايامنا عاد الماض الكريه بظله مع دعاة الاستعباد والخلافة والدولة الاسلامية ، التي رفضها عبيد البصرة من الزنج وفقراء الاحرار. لقد فهم عبد الله بن محمد أن نظام الخلافة المؤيد بالفقةالمشيخي المقدس هو موطن الداء, فقام يضربه بعنف, ومعه كل المستضعفين. كان الخليفة قرشي عربي مقدس ورفض عبيده السجود له, واليوم يريدوننا أن نسجد للمشايخ من رموز الاسلام الذي لا يعرف رموزاً !!
 
العبيد رفضوا نظام الخلافة الاسلامية وطريقته في الحكم في القرن العاشر الميلادي, ويأتي من يطالب بعودته في القرن الحادي والعشرين !!
 
يلفت النظر بشدة قول عبد الله بن محمد لأصحابه" لنغامر كما غامر الناس" . كان التاريخ ماثلاً لم يمض بعد بتاريخ الفتوحات , عندما غامر العرب ففازوا بالارض ومن عليها. لكن هذا التاريخ الماثل يبدو أنه أيضاً كان هو المثل والقدوه, فقام عبد اللة بن محمد يختار لنفسه راية خضراء ، كتب عليها الآيات: " إن الله اشتري من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة , يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون" .
لقد جعل الحرب في سبيل الحرية, حرباً من المؤمنين ضد المشركين, كما هو موضوع الآيات, لقد جعل حربه حقاً يقف الله بجانبه ضد الخلافة ونظامها كله ،أصبحت هي الباطل.
يلفت النظر أيضاً وفاء صاحب الزنج لاتباعه بما كان يعد, كان يحلف لهم جهد ايمانه أن سيملكهم أرضهم ، ويجعلهم سادة يملكون الرقيق بعد أن كانوا رقيقاً, وانهم سيملكون ساداتهم , وبر لهم دوماً بما وعد ، بل قام يطبق علي السادة الذين اصبحوا عبيداً شريعة هؤلاء السادة العرب, فكان يجلدهم بالسياط ، ويوزع علي اتباعه أنصبة عادلة من غاراتهم علي السفن والقري ، بنفس نسبة التقسيم زمن غزوات النبي وغزوات الفتوحات, سواء كانت تلك الانصبة منافع مادية أو بشراً من أطفال ونساء السادة المترفين, فأنفذ في العرب شريعتهم, لكنه ارتقي عنهم خطوة عندما ساوي بين البيض الاحرار وبين الزنوج وآخي بينهم كمؤاخاة المهاجرين و الانصار.
كان تطبيق شريعة العرب علي العرب مأتماً عربياً عظيماً, آلم العرب واوجع اكبادهم في كل بقاع الامبراطورية التي اهتزت لاغتصاب النساء العربيات الماجدات من قبل العبيد السود وبيعهن في الاسواق. آلمتهم شريعتهم عندما طبقت عليهم ، فقاموا من كل أرجاء الامبراطورية يرسلون للخليفة بالدعم المادي والعسكري للقضاء علي ثورة الزنج, وكان هذا تحديداً هو السبب الحقيقي في كسر ثورة الزنج.
وكان للمشايخ والفقهاء أيضاً دورهم الكبير في كسر تلك الثورة فكفروا صاحب الزنج ومن معه ، رغم أنه كان يطبق شريعة الاسلام تماماً ولو راجعنا أفعاله لوجدناه رجلا مسلما 100× ال100, فقد جلدهم بالشرع كما كانوا يجلدون الناس, وطبق شريعة العين بالعين والسن بالسن, وركب هو ورجاله نساء السادة العرب المهزومين , وأسروا أطفالهم ونهبوا أموالهم, فأين الكفر فيما فعل صاحب الزنج؟ ان الكفر الواضح أنه لم يفهم أن تلك قوانين مقدسة يطبقها العرب علي غير العرب فقط, هي قوانين تستثني واضعي القانون من القانون.
لقد أدرك عبد الله بن محمد خلل نظام الخلافة المقدسة وحلفها المشيخي , لكنه لم يستطع أن يجد أمامه بديلاً يعرفه ويفهمه لثقافته الاسلامية التي كان يتمسك بها بايمان عظيم, أبداً لم يتصور صاحب الزنج ولا الزنج المسلمون أن الظلم يمكن أن يأتي من النظام الديني للحياة , فالشريعة مقدسة لذلك هي سليمة بالتمام والخطأ إنما هو في التطبيق, في الاشخاص كالخليفة وحاشيته وفقهاؤه. لذلك عندما انتصر الزنج استخدموا نفس الآليات مع أسيادهم السابقين, العبيد حالياً, ولم يكن يري أن هناك نظاماً أفضل من النظام الاسلامي فطبق شريعته باخلاص, فأذاق العرب مرارة الكأس الذي أذاقوه لمختلف الشعوب. فاستمر الظلم رغم تبدل الشخوص, كل ما حدث هو أنه قد أصبح العبد سيداً والمظلوم ظالماً والمجلود جلاداً, لذلك عندما انتصر الزنج ظل الظلم هو صاحب السلطة , لذلك عاد الزنج مع هزيمتهم النهائية أمام جيوش الامبراطورية عبيداً مرة أخري, لانهم لم يكونوا مؤهلين لاستبدال تلك الثقافة بثقافة أكثر نضوجاً تقدس الحرية والكرامة والانسانية والعدل والمساواة لكل البشر. لقد كانت القاعدة ظالمة منذ سبارتاكوس وما بعد سبارتاكوس, ومنذ الفتوحات ومنذ الزنج وما بعد الزنج, حتي اجتمع الانسان عبر نضالات طويلة فى عالم الحريات , ليستكمل مسيرة سبارتاكوس وصاحب الزنج ، ليجبر العالم كله مسلمين وغير مسلمين للتخلص عن عار اتجار الانسان في أخيه الانسان.

ملحوظة خاتمة: أنه لم يصل أي زنجي في بلادنا حيث دين الحريات والمساواة الي ما وصل اليه السيد: (كولن باول ) , ولا ما وصلت اليه .... ويا للهول ... سوداء... ونجرو ، و لمزيد من النكاية وفداحة المصيبة :( امراة ) , هي ( السيدة كونداليزارايس ) وذلك في بلاد الكفر والطاغوت. لقد كان حظ عبيد النيجر (النجرو), أوفر من نكد حظ عبيد زنجبار , لقد أصبحوا مواطنيين حقيقيين كاملي الحقوق في دولة عظمي .. تري هل هي سخرية الأقدار؟

ثورة الزنج..إنتفاضة العبيد على دولة الخلافة

تعود أحداث هذه الثورة إلى خلافة المهتدي بالله العباسي، وتحديداً إلى العام 255هـ، فى جنوب العراق حيث كان مشحونا بالرقيق والعمال الفقراء الذين يعملون في مجاري المياه ومصابها ويقومون بكسح السباخ والأملاح وذلك تنقية للأرض وتطهيرها كي تصبح صالحة للزراعه وكانوا ينهضون بعملهم الشاق هذا في ظروف عمل قاسيه وغير إنسانية للغايه تحت اشراف وكلاء غلاظ قساة عديميي الرحمه ولحساب ملاك الأرض من اشراف العرب ودهاقنة الفرس الوافدين كليهما على العراق ,اما العبيد فكانوا مجلوبين من أفريقيا السوداء زنوجا واحباشا ونوبيين وقرماطيون إضافة إلى فقراء العرب العراقيين والذي كان يطلق عليهم في ذلك الوقت تسمية الفراتيين، وكانت الدولة العباسية تعاني حالة ضعف بعد وفاة المتوكل، وضعف أمر الخلفاء، الذين صار يتحكم بهم الجند، كما أن دولة الخلافة أضعفتها الحروب الطويلة ضد الروم، وضد الدويلات الشيعية التي انفصلت عن جسم الدولة.
كان العبيد يجلبون من إفريقيا وخصوصا من ساحلها الشمالى ومن أهمها المنطقة المعروفة بزنجبار (أرض الزنج) حيث يتم خطفهم و يشدونهم بالزناجيل ويسوقونهم مشينا بالسياط في قوافل الى البصرة وغيرها من الاقطار والامصار، وكانت مناطق جنوب العراق والأهواز ذات أرض خصبة و لكن يغطيها المد والجزر بطبقة ملحية سبخية فاستوردوا الزنوج الذين عملوا تحت لهيب الشمس وضرب السوط في إزالة الطبقة الملحية السبخة لتظهر من تحتها التربة الصالحة للزراعة ثم يقومون بتجميع أكوام الملح والسباخ وينقلونه بالبغال إلي حيث يباع في المدن والقرى وكان أجرهم اليومي حفنات من الدقيق والسويق والتمر لا تسمن ولا تغني من جوع هذا بينما كان المترفون في بغداد يوضع علي موائدهم طبق " الجام" وهو ألسنة السمك، وثمنه يزيد علي ألف درهم فيما يرويه المسعودي..!
وإزاء الأوضاع السيئة التي كان يعيشها هؤلاء الزنوج اقتصادياً واجتماعياً، اقبل العبيد على الثوره طريقا لم يجدوا امامهم سواه للتغيير، هذه الثورة التي حظيت باهتمام المؤرخين المستشرقين بالتاريخ الإسلامي في العهد العباسي، والتي سجلها المؤرخ (
Noldeke Theodor) في عام 1892 م، كما ذكر الطبري في مؤلفه (تاريخ الأمم والملوك) بأنها حركة تمرد في عهد الخلافة العباسية لقائد عربي استخدم الزنوج المرتزقة والعبيد المملوكين، وعرفت بعد ذلك تاريخيًا بهذا الاسم، ومن المعروف ان الطبري والمسعودي يعدّان من اهم المصادر الرئيسة التي رصدت اخبار ما حدث، بحكم الاهتمام الفائق بايراد التفاصيل شبه اليومية . كان الطبري بمثابة الناطق الرسمي للخلفاء والمدون لسير المعارك التي طحنت جنوب العراق على امتداد السنوات الأربع عشرة للثورة ( 869 م ـ 883 م)، وفى العصر الحديث كتب فى الموضوع الكثير من المحدثين وعلى رأسهم الدكتور طه حسين والدكتور محمد عمارة ولكن دراسة د. فيصل السامر والتي ظهرت في كتاب حمل عنوان (ثورة الزنج) كانت الدراسة الأبرز والأكثر تأصيلا ورصانة من حيث جدة الطرح وشموليته مما جعلها في طليعة الدراسات التي تصدت لهذا الحدث.
لم تكن ثورة الزنج هى الأولى فى تاريخ الدولة الإسلامية والتى جاءت بعد حوالى 1000 عام من ثورة العبيد فى روما القديمة بقيادة سبارتاكوس وقد عقد (طه حسين) فصلاً في كتابه ألوان, قارن فيه بين ثورة العبد الأبيض الاسبرطي (سبارتاكوس) ضد روما من أجل تحرير العبيد ونيل الحرية في القرن الأول الميلادي . وبين العبد الأسود (عبد الله بن على بن محمد) الذي قاد ثورة للعبيد السود المعروفين بالزنج ضد الخلافه الاسلامية , من أجل ذات الهدف تحرير العبيد ونيل الحرية، وذكر طه حسين أن قائدهم على بن محمد كان رجلاً ذكي القلب بعيد الامل دقيق الحس ضابطاً لأمره مالكاً لارادته، أما محمد عمارة فيقول: "عندما أكتب اليوم عن ثورة الزنج، وقائدها علي بن محمد (270ه/883م) فإنني أحقق بذلك أمنية تمنيتها منذ ما يزيد على ربع قرن من الزمان. فلقد قرأت يومها صفحات كتبها المرحوم الدكتور طه حسين (1889م - 1973م) عن هذه الثورة التى قارن بينها وبين ثورة سبارتكوس
Spartacus (73 - 71 ق.م) لتحرير العبيد من مظالم الدولة الرومانية واستعبادها وتمنيت ان اكتب عنه، ويقول د. عمارة في موضع آخر: "نعم انتهت ثورة الزنج وطافت الدولة العباسية برأس الثائر الشاعر العالم علي بن محمد في المدن والأمصار والآفاق، ولكن حلم الإنسان العربي المسلم بالعدل لم ينته بنهاية هذه الثورة".
لن أدخل فى تفاصيل المعارك بين جيش على بن محمد الملقب بصاحب الزنج و جيوش الخليفة المعتمد وأخيه أبى أحمد الموفق وهى التفاصيل التى أغرقنا بها كتاب السيرة وذلك بالرغم من أهميتها فيمكن الرجوع اليها مباشرة، فقد مضت تلك الحرب بين كر وفر فى حوالى خمسة عشر عاما (255 -270 هجرية) واستطاع العبيد تحرير منطقة شاسعة كما أسلفنا لكنهم لم يحظوا بالإستقرار المطلوب لبناء دولتهم التى إنهارت بعد مقاومة عنيفة وحصار لعاصمتهم المختارة دامت لحوالى 3 سنوات ولكن ما يعنينا هنا هو دراسة التجربة فى ذاتها وأسباب فشلها.
مما لاشك فيه أن صاحب الزنج كان له قدرات عقلية فائقة وملكات تحريضية وتهييجية عالية بحيث إستطاع فى فترة زمنية وجيزة حشد جيش كبير جدا بقياس عصره قدره بعض المؤرخين بثلاثمائة الف من العبيد والأرقاء والأقنان استطاع بواسطة ذل الجيش ان يوجه ضربات موجعة كادت أن تهز اركان دولة الخلافة وتقضى عليها، ونقل عنه القيروانى شعرا حادا وتحريضيا منه:
لهف نفسى على قصور بغداد وما حوته من كل خاص
وخمور هناك تشرب جهرا ورجال على المعاصى حراص
لست بابن الفواطم الزهراءإن لم أقحم الخيل بين تلك العراص
* اشتهر عن الرجل شجاعته واخلاصه ووفائه لعهوده ومن ذلك حديثه لجنده من العبيد " اشرككم فيها بيدي واخاطر معكم فيها بنفسي، و ليُحط ْ بي جماعة ٌمنكم فإن احسوا مني غدرا فتكوا بي" أى انه يقدم حياته رهينة فى سبيل القضية، ولكنه خلط ذلك بمجموعة من الإدعاءات والهلاوس، من ذلك إدعائه الإنتساب الى على بن ابى طالب ثم ما قيل عن انكاره ذلك ( هذا الموضوع أخذ جهدا كبيرا من المؤرخين والباحثين حول أصل الرجل ونسبه)، وأيضا ما نسب اليه من إدعاء النبوة ونزول الوحى عليه، وزعمه أنه المهدى المنتظر مما خلط دعوته بهالة ضبابية غامضة وأوقعها فى إتهامات متكررة بالمروق عن صحيح الدين.
*رغم أن حركة الزنج قد انطلقت من واقع الألم والاضطهاد الاجتماعي والاقتصادي بين مستنقعات البصرة وسهولها الا أن العنف الشديد الذى لون الحركة تجاه خصومها من قتل واغتصاب وسبى ادى الى سهولة اتهامها بأنها حركة فوضوية تعمل على الإنتقام، وبالرغم من أن الطرف الآخر هو من بدأ بالعنف وأن العنف كان مفهوما ومبررا بمقاييس ذلك العصر الا أن العقلية العربية لم تكن لتستسيغ أن يقوم العبيد بسبى حرائرهم وتحويلهن الى جوارى وملك يمين وبيعهن فى الأسواق مما أدى الى تعاظم رد الفعل وسهولة حشد الخليفة للرأى العام خلفه ضد تلك الثورة.
* إعتماد الثورة فى قوامها الرئيسى على العبيد وفى القلب منهم المستجلبون من إفريقيا وعدم ضم أى فئات أو طبقات أخرى بشكل مؤثر فى الحركة مما حكم على الثوّار مبكرا بالعزلة والقتال منفردين وظهرهم الى الحائط، ورغم أن على ابن محمد لم يكن عبدا ولا من أصول زنجية وان عدد كبير من قادتها كذلك الا أن جيشها الحقيقى كان من الزنج تحديدا، ويصف ابنُ خلدون إقبالَ الزنج على الثوره وزحفـَهم للقاء قائدها فيقول : لقد تسايل اليه الزنجُ واتبعوه.
* أيضا فإن الهدف المعلن لصاحب الزنج لم يكن القضاء على العبودية واقامة مجتمع حر ولكن ما أعلنه الرجل ومارسه وسعى الى تطبيقه هو تحريرُ الرقيق من العبوديه وتحويلُهم إلى سادة لأنفسهم وأعطاؤهم حق َامتلاك الضياع والاموال بل ومناهم بأمتلاك َسادتِهم سادة الامس الذين كانوا يسترقونهم وجعلِهم عبيدا عندهم وركوب نسائهم وبناتهم وتلك فى حقيقتها أفكار لا تختلف كثيرا عن النظام الطبقى الذى كان سائدا مما أفقد الثورة التعاطف و الطابع الإنسانى.
وهكذا انطوت سريعا صفحة هذه الثورة بعد حمامات الدم التى أغرقتها ولكنها لم تذهب سدى فقد أوقدت جذوة الثورة فى قلوب المستضعفين والفقراء وبعدها بقليل جاءت ثورة القرامطة أكثر نضجا وخبرة.

القرامطة ...اول حركة اشتراكية في التأريخ الاسلامي


القرامطة ...اول حركة اشتراكية في التأريخ الاسلامي

القرامطة ...اول حركة اشتراكية في التأريخ الاسلامي
نبيل عبد الأمير الربيعي

تعتبر دولة الزنج التي ظهرت في ايام الدولة العباسية عام255 هجرية البذرة والنواة الاولى لظهور الحركة الانسانية حركة القرامطة التي تتصف بالمباديء الاشتراكية وسيطرت وحكمت مناطق شاسعة في شبه الجزيرة العربية وتغلبت على الدولة العباسية ذات النفوذ الواسع والقوة بالعدة والعدد والسلاح وتدريب الجيش , ويعتبر الباحثين ان اقدم الاشتراكيات في التأريخ هي اشتراكية دولة القرامطة التي ابتدأت عام278 هجرية في خلافة الخليفة العباسي المعتمد وقوي أمرهم في خلافة المعتضد العباسي .
تنسب حركة القرامطة الى مؤسس الحركة ( حمدان بن الاشعث) الذي يلقب بقرمط وقد قدم من الاهواز العربية الى الكوفة الاسلامية عام 278 هـ/ 891 م , واقام بها وتأثر أهل الكوفة بهذا الزاهد والمتقشف الذي يأكل الا من كسب يده من عمله. وفي اللغة العربية القرمطي بكسر القاف والميم تعني تقارب الشيء بعضه من بعض ويقال خط الشخص قرمطي أي مقرمط اذا كان ذلك.
لقد نجح هذا الزاهد المتقشف الى اجتذاب العديد من المناصرين الذين لقبو حركتهم حالاً بالقرامطة وتم تفسيره من قبل الباحثين باشكال كثيرة مثل: (قصير الساقين او أحمر العينين).فرق الشيع للنوبختي ص61
ولقد قدم الباحث الاستاذ كامل داود في موضوع على الحوار المتمدن بعنوان قراءة في ثلاثية الحلم القرمطي للدكتور محيي الدين اللاذقي:لقد رجح اللاذقي عمل القرامطة السري ونشاط دعاتهم الى اوائل القرن الثالث الهجري اما ظهورهم العلني فقد اعتمد في تحديده على رواية الطبري والتي يراها اقرب الروايات الى التصديق والذي اشار الى ظهور القرامطة في احداث سنة 278هـ .. وقد اصاب اللاذقي بذلك لأن الطبري كان معاصراً للحركة القرمطية .. ولذلك يتأكد لنا ميل المؤرخين العرب الى الحط من شأن التنظيمات الراديكالية والذهاب بنسب قادتها الى اليهود وهذا ما لاحظه كولدزيهر الباحث في الشأن الاسلامي ص14).
قبل ظهور الحركة الى العلن فقد شهد عام 261 هـ/ 874 م نشاط حمدان بن الاشعث الذي استجاب للثائر الاهوازي العربي ( حسين الاهوازي) في جنوب العراق على اثرها نظم حمدان الدعوة في موطنه سواد الكوفة واتخذ مقراً له في كلواذا قرب بغداد وكان مساعده اخا زوجته عبدان , وعين العديد من دعاة ثورته في العراق وفي بعض مدن ايران , ودعا ابو سعيد الجنابي من المؤيدين للحركة جنوب ايران الى الدعوة القرمطية ونجح نجاحاً عظيماً وتوسع نفوذه في البحرين والمناطق المجاورة منه اليمامة وعًمان عام 873م ثم توسعت الى خراسان وبلاد ما وراء النهر.
لقد اعتمد هذا الثائر الاشتراكي حمدان بن الاشعث على القاعدة الشعبية والجماهيرية من الفقراء ومن جنسيات وعقائد دينية مختلفة , عكس ما اعتمد علية صاحب الزنج من طبقة العبيد فقط , اذ كانت حركة حمدان اممية وقد عارض فكرة الفقهاء الدينية وفق مقولة ( الأئمة من قريش) والذي عارضها قبلهم الخوارج واعتقدوا بأن الامامة تصلح حتى لو كان الامام عبداً حبشياً.
مباديء الحركة القرمطية
لحركة القرامطة التي نادى بها حمدان بن الاشعث وحسين الاهوازي بمشاعية الارض والاموال والتعاون والالفة لصالح الجميع , وقد فرض الضرائب على جماعته من محاصيل زراعية ومراكب السفن الراسية في البحر واستخراج اللؤلؤ لتقوية اقتصاد دولته , ولا يفرق بينهم وكان يوزع بيت المال بالتساوي بين جميع افراد دولته وقد دعا الى دعم الصناعات الحرفية من بيت المال ثم يسددوا ذلك بعد تمكن الحرفي مادياً . وكانت قرارات دولة القرامطة جماعية وليس للامام او صاحب الحركة دور في اتخاذ القرارات ورفض تجميع الاموال والحقوق له كما حدث في اغلب الدول الاسلامية.
وقد شكل مجلس سمي ( بمجلس العقدانيين) المكون من ستة اشخاص لاصدار القرارات الوزارية والاتفاق وتطبيق مبدأ الشورى .
اما الداعية الثاني ابي سعيد الجنابي فقد كان اقوى شخصية لدولة القرامطة التي امتدت من البحرين حتى البصرة وعًمان وقد دامت هذه الدولة قرابة اكثر من خمسة عشر عاماً من عام 286 هـ لغاية 301 هـ.
اقتصاد الدولة
اعتمدت حركة القرامطة في اقتصداها كما ذكرنا على جباية الضرائب من جميع المزارعين واستخراج اللؤلؤ والمواد التي يتم تصديرها الى دول الجوار ومنها الدولة العباسية عدى تصدير الذهب فقد حرّم ومنع تصديره , وكذلك الرسوم على الحجيج ومغانم الحروب وتحولت الاراضي جميعها للدولة أي ملك عام حسب نظام خاص لزراعة الاراضي وعائدية الانتاج لجميع الأفراد وقد دعا صاحب الحركة الى اقامة الطواحين المجانية لرفع المتاعب عن كاهل المرأة لطحن البذور لشعب دولة القرامطة والغاء الملكية الخاصة. 
ان السبب الذي دعى الى سك النقود من مادة الرصاص هو لمنع تهريب المال والذهب خارج حدود الدولة.اما مبدأ التعويض الاجتماعي وهو من مباديء دولة القرامطة حيث كان عند احتراق محل او بيت لأحد ابناء الشعب القرمطي يبنى له محل او بيت جديد وتعوض خسارة الفرد وكذلك الفلاح والحرفي , وقد ذكر الباحث السوري محمد امين جوهر ان دولة القرامطة كانت : تقدم العون المادي لمن يستطيع ان يبني عملاً او حرفة او زراعة وقامت الدولة ببناء المطاحن للحبوب لتخفيف العبء عن كاهل المرأة التي كانت تشارك بالعمل الرجل حيث تعتبر حقوق المرأة عند القرامطة متطورة عن باقي الدولة الاسلامية التي توالت الحكم عبر التأريخ.
لقد تمسك المواطن القرمطي بدولته التي آمنت بتأمين العدالة الاجتماعية وقضت على الفقر مما دعى الى الالتفاف مع الدولة ومقاتلة جيش المقتدر البالغ الثمانين الف محارب وحيث القرامطة الذي تصدى لهذا الجيش حسب اتفاق الباحثين لم يتجاوز الفان وسبعمائة مقاتل.
مكانة المرأة 
لقد كان للمرأة دور فعال في بناء الدولة والدعوة الى مساواتها مع الرجل والعمل في جميع المجالات واتخاذ القرارات السياسية الداعية الى تثبيت اركان الدولة اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً والمكانة السامية لتحريرها من قيود الرجل ومشاركتها لأخيها الرجل وزوجها في العمل وتحمل اعباء المسؤولية. وقد فتحت دورات تعليمية لها كالكتابة والقراءة وكانت كتاتيبهم مختلطة من الاناث والذكور وتم سن قانون منع الزواج بأكثر من زوجة والغاء دفع المهر العالي للزوجة ولكن مهراً رمزياً.
سرقة الحجر الاسود
نتيجة لاستغلال الدولة العباسية للحجيج ودعم بيت المال للدولة العباسية واهمية شعائر الحج عند المسلمين وذهابهم كل عام الى الطواف حول الحجر الاسود وجباية الاموال للزائرين والحجاج , ارادت دولة القرامطة تدمير اقتصاد الدولة العباسية فدعا ابي سعيد الجنابي الى سرقة الحجر الاسود ونقله الى عاصمة القرامطة في البحرين حتى اعادته ايام الخليفة المعتضد مقابل دفع مبلغ خمسين الف دينار باتفاق مع سبنر بن الحسين القرمطي.
الجانب الاجتماعي
اما الدكتور محيي الدين اللاذقي نقلاً عن كتابة الباحث كامل داود في الحوار المتمدنالعدد3186( يعلل غزو الكعبة ونقل الحجر الاسود الى عدة اسباب :
1- ثأراً لقتلى معركة جنبلاء
2- اذلال الخليفة والحط من هيبة الدولة العباسية
3- فتوى الحج النظري التي اطلقها الحلاج ودفع حياته ثمناً لها.
4- الكسب الاقتصادي.
5- وفيما يتعلق بالهدف الاقتصادي فقد استثمره القرامطة ايما استثمار وتمرسوا بما يعرف( بذرقة الحج) فقد كانت عملية قطع طريق الحجاج شائعة قبل القرامطة, والبذرقة هي حماية تلك الطرق مقابل اتاوة مالية, وقد بلغت اتاوة القرامطة من الأخشيد وحدة حوالي 300 الف دينار لقاء ذلك.)
تعتبر الدولة القرمطية مثال الدولة الاشتراكية مثال للدولة الاشتراكية الذي دعا لها الفكر الماركسي والاحزاب الشيوعية ولكن كانت بدائية عبر مرحلة الاقطاعية وهي مرحلة من مراحل التطور الاقتصادي الاجتماعي الذي استغل الاقطاعي اصحاب الاراضي الفلاحين ايما استغلال من السخرة والعمل كخدم في بيوتهم وجر عرباتهم وسرقة عملهم هذا الاستغلال البشع واستعباد الانسان , فقد تبنت الحركة القرمطية مبدأ العدل والمساوات واحترام الانسان لأخيه الانسان ورفض الاستغلال والمظلومية وقد دعت مباديء الحركة الى ترك شرب الخمره والمحافظة على النظام العام وترك الزنا والامتناع عنه (كما اشاع بعض المؤرخين كبعض وعاض السلاطين و كالخطيب صاحب كتاب تأريخ بغداد باشاعة الزنا )و قد رفض تعدد الزوجات وزيارة القبور وتقبيل الاحجار ولكن كان حبهم لعلي وأهل بيتة بسبب عدالتهم الاجتماعية ويمثلوا العدل والمساواة ورفض المظلومية في دولة الامام علي وخلال خلافته.
لقد ذكر الباحث والمغترب ذياب مهدي آل غلام في بحثه( نواة الفكر الاشتراكي عند الامام علي – القرامطة نموذجاً) في موقع الناس: ان دولة القرامطة ترى فيها بعض ملامح الماركسية قبل ماركس بنيف والف عام.
افول الدولة الاشتراكية
لقد أًفلت هذه الدولة الاشتراكية المباديء في البحرين عام 450 هـ/1085 م بسبب الخيانة والتآمر من قبل بعض قادة العشائر وخوف الدولة العباسية من انتشار الفكر الاشتراكي القرمطي, فقد قاموا بعض رجال القبائل بالتمرد على حكام جزيرة القرامطة , فأخذت من ايدي القرامطة دولتهم عام 459 هـ/ 1067م وبشكل نهائي عندما هزم المتمردون المحليون الاسطول القرمطي, انهى عبد الله بن علي عويني شيخ عشيرة مرّه دولة القرامطة في البحرين وأقام سلالة القونيين بصفتهم اتباعاً للفاطميين,ولكن بقيت آثارهم في البحرين وعًمان حتى اوائل القرن الثامن عشر , ولكن المؤرخين لم ينصفوا هذه الدولة وصدق نقل اخبارهم فقد اتهمت بالمروق عن الملة وافتى الامام الغزالي بعدم قبول توبتهم حتى وان تابوا , اما الامام ابو حنيفة النعمان فقد افتى بالقتال الى جانب القرامطة حسب نص الخطيب البغدادي في تأريخةص82 .
لقد اكتنف هذه الحركة الكثير من الغموض والابهام بسبب هذه الافتراءات والتهم التي الصقت بهم, وقد ذكر القاضي عبد الجبار في تثبيت دلائل النبوة : ان القرامطة يبطنون الكفر والزندقة والتعطيل ويميلون الى المجون والخلاعة والانغماس في الشهوات واللذات , وقد كان المال سبب في تزوير التأريخ واحداثة والبعض يخاف من سطوة الخليفة والحاكم ولكن بعض كتب التأريخ تثبت عكس ذلك

 

القرامطة، شعاع نور في تاريخ الإسلام الأسود

                          القرامطة، شعاع نور في تاريخ الإسلام الأسود



أفتى أحد الدعاة المسلمين في أوروبا بتحريَم ملامسة النساء والفتيات لبعض أنواع الخضراوات والفاكهة مثل الموز والخيار بدعوى أنها ربما تؤدي إلى إغوائهن

أفتى رئيس الجمعية المغربية للدراسات والبحوث الشيخ عبد الباري الزمزمي بجواز معاشرة الزوج لزوجته الميتة تواً

نموذجان للفتاوي السنية لهذا العام، ومع ذلك يتهجمون على القرامطة كذباً، وخصوصاً فيما يخس النساء

فقد تعرض القرامطة ككل الحركات الثورية في العالم الإسلامي لسعار السلطة وأذنابها ودامت حملة الكذب والتضليل من طرف السلطات العباسية والفاطمية ومن فقهاء ومؤرخي البلاطات. واستخدم المكر والكيد البدوي الإسلامي لتشويه صورة هذه الحركة. أوأليس إلله تعالى هو الذي يقول في قرآنه المجيد: "ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين". كما يقول : وتكيدون كيداً وأكيد كيداً".فقد قالوا عنهم أنهم نادوا بمشاعة النساء وأجازوا اللواط وحللوا الزنا بالغلمان وسرقوا الحجر الأسود...الخ من أجل تنفير العامة منهم. فهل كان الأمر كذلك.
إن صعوبات جلى تعترض الباحث من جراء هذا الكم الهائل من الأكاذيب والتخرصات والدعاية المضللة، وحتماً سيكون البحث ناقصاُ من جوانب عديدة، ولكنه أسهام بسيط من أجل دق إسفين صغير في نعش هذا التاريخ الإسلامي المزيف.

ظروف النشأة 
استغلّ القرامطة كغيرهم من الحركات الثورية الظروف المحيطة بهم، خاصّة وأنّ بداية دعوتهم وافقت القضاء على حركة الزنج، ولقد كانت الدولة الإسلاميّة آنذاك في بداية ضعفها وتسلّط العسكر عليها من ناحية، وكثرة الانفصالات عنها من ناحية أخرى، واستقلال بعض الأسر المشهورة، كالصفاريين والسامانيين والعلويين واليعفريين والطولونيين حيث لم يبقَ للعباسيين في كثير من الأقاليم سوى الدعاء لهم يوم الجمعة والعيدين، ونزر يسير من الهدايا. كماأن ذكاء القرامطة في دعوتهم جعلهم يركّزون على الأراضي الخصبة، والعاملين فيها كالموالي والعبيد والأُجراء والمزارعين الناقمين على أصحاب الأراضي، ولاستقطابهم ابتدعوا فكرة إشاعة المال وإشاعة الأراضي، عملاً بقاعدة فقهية شهيرة، تنص على "أن الأرض المفتوحة عنوة لا تُمَلّك للخواص"، وهي قاعدة عمل بها الخليفة عمر بن عبد العزيز الذي رفض تفويت أرض العراق للخاصة.

دامت هذه الحركة قرابة قرن من الزمان، وقد بدأت من جنوبي فارس وانتشرت في الكوفة وواسط والبصرة في العراق، ثم في البحرين والأحساء والقطيف ثم تقوّت بعد ظهور زعيمها في البحرين "أبي سعيد الجنَّابي"، الذي استطاع أن يبسط نفوذه على البحرين وهجر، وأن يكسب أنصارًا كثيرين، وتحول إقليم البحرين إلى مركز للقرامطة، وخرجت منه حملاتهم الحربية لنشر أفكارهم، وانتشروا في الأحساء وحتى اليمن ثم ساروا إلى بعلبك وسلمية ثم في دمشق، ثم توجهوا بجيوشهم إلى مصر حيث عسكرت في عين شمس قرب القاهرة

مع ازدياد أعدادهم اتّجهوا إلى تنظيم صفوفهم وإعداد خططهم، فلمّا قويت شوكتهم واشتدّ ساعدهم ووجدوا أنّ الفرصة سانحة للخروج على دولة الخلافة أعلنوا تمرّدهم وكانت بدايتهم من البحرين، وكان على رأسهم أبو سعيد الجنابي القرمطي، وكان جلّ جنده آنذاك من بقايا فلول الزنج والخرميّة وبعض الأعراب وقد بدأ تمرّده بغزو القرى المجاورة لمكان إقامته في الأحساء ولم يمض وقت يسير حتّى كوّن لنفسه جيشاً عظيماً واحتلّ أغلب المناطق المحيطة به كالقطيف وغيرها من المدن، وحوّل وجهته للبصرة بقصد أخذها وقد وجّه لهم الخليفة العبّاسي المعتضد جيشاً قوامه عشرة آلاف بإمرة العبّاس بن عمرو الغنوي، والتقى الجيشان في الطريق إلى البصرة وكانت نتيجة المعركة أن أُسِر الجيش العبّاسي بكامله وأميرهم معهم. كما قطع الطريق على حجّاج العراق وبقي على حاله تلك في قطع طريق الحجّاج أكثر أيّامه، حتّى أنّ حجّاج خراسان والعراق والمشرق توقّفوا عن الذهاب إلى الحج ثم قصد بغداد والتقى بجيش المسلمين في الأنبار وكان عدد جيشه ألف فارس وسبعمائة راجِل، وجيش الخليفة أربعين ألف فارس وعلى الرغم من ذلك فقد فرّ جيش العراق حتّى قبل أن يلتقوا بجنود القرمطيّ، فدخل القرمطي الأنبار واتّجه سليمان أبو طاهر القرمطيّ إلى مكّة فدخلها يوم التروية فعرّى البيت وقلع بابه وقلع الحجر الأسود وأخذه معه إلى عاصمته هجر

كما أسس القرامطة دولة لهم في اليمن على يد علي بن الفضل، لم تعمر تلك الدولة كثيرا، وإنتهت بموت علي بن الفضل، ولم تترك أثارا هامة باليمن

إتبعت قبائل الجزيرة العربية دعوة القرامطة، مثل بنو هلال وبنو سليم وبنو معقل، وبنو كلب وفزارة وأشجع وغيرهم، وكانوا هم عماد جيش القرامطة الذي غزوا به أنحاء الجزيرة العربية والعراق والشام ومصر، إلى أن بدأ الفاطميون في استقدام بني هلال وسليم وفزارة وأشجع وبنو معقل للاستقرار بمصر، فنزلت تلك القبائل في بحري وقبلي مصر وإستقرت بصعيد مصر خصوصا لمدة تربو على القرن، ثم شجعها الخليفة الفاطمي المستنصر للاستقرار بشمال أفريقيا للقضاء على الحركة الاستقلالية التي قادها عامل الفاطميين في أفريقية (تونس اليوم)، فنزحت بنو هلال وبني سليم وفزارة وأشجع وبنو معقل من صعيد مصر إلى شمال أفريقيا فيما عرف بتغريبة بني هلال، اسم أكبر قبائل التغريبة، على أنه بقيت بقية لتلك القبائل في مصر

وقد عرف القرامطة خطورة تهريب المال والذهب خارج حدود الدولة، فقاموا بصك نقود من الرصاص. ذكر الباحث السوري محمد أمين جوهر أن الدولة القرمطية كانت تقدم العون المادي لمن يستطيع أن يبني عملا أو حرفة أو زراعة، وأنهم قاموا بشق الأقنية وزراعة النخيل، وكانوا يمنعون ذبح الحيوانات بين الناس، أما تمويل الدولة فكان من خلال الضرائب التي تأخذها نتيجة مشاركتها في معظم الأعمال، وكان يدخل كذلك خزينة الدولة الضرائب، التي فرضها القرامطة على الدولة العباسية

اما الاقتصاد عند آل الجنابي فهو مميز، ومثير للاعجاب، كما نقله لنا نفس الرحالة ناصر خسرو في كتابه سفرنامه، فهو يقول أن البيع والشراء والأخذ والعطاء يتم هناك "في الأحساء" بواسطة رصاص في زبيل يزن كل منها ستة آلاف درهم، وهذه العملة لا تسري في الخارج، وفي الحسا تباع لحوم الحيوانات كلها من قطط، وكلاب، وحمير وبقر، وخراف وغيرها، ويوضع رأس الحيوان وجلده بقرب لحمه، وينسجون هناك فوطا جميلة، ويصدرونها للبصرة وغيرها وفي الحسا تمر كثير، حتى انهم يسمنون به المواشي، ويأتي وقت يباع فيه أكثر من ألف (منٌ) والمن يساوي وزن مائتين وسبعة وخمسين درهما وسبعة دراهم"، بالاضافة الى نظام دعم الفلاحين والصناع وتوفير رؤوس الأموال لهم لتشجيعهم على العمل والانتاج

وكانت نهضتهم الفعلية أنهم قاموا بمساعدة الفلاحين بطحن حبوبهم مجانا في مطاحن مملوكة للدولة، وألغوا الأعشار، واقرضوا الفلاحين المال وقاموا بمساعدة الملاكين في اصلاح بيوتهم وطواحينهم مجانا، ودعموا الصناعة اليدوية عن طريق إمداد الصناع بالقروض الطويلة الأمد اللازمة لشراء الآلات دون فائدة

وكانت جهودهم مثالية بالنسبة لتلك الفترة في تطوير الصناعة والزراعة باتجاه تحقيق الاكتفاء الذاتي، ويدلل على ذلك الممارسات التقشفية والضابطة للاوضاع الاقتصادية، والاجتماعية، ويصف المقريزي ذلك قائلاً : حتى بلغ في تفقده أن الشاة اذا ذبحت يتسلم العرفاء اللحم ليفرقوه على من ترسم لهم، ويدفع الرأس والاكارع، والبطن الى العبيد والاماء، ويجز الصوف، والشعر من الغنم ويفرقه على من يغزله، ثم يدفعه الى من ينسجه عبياً وأكسية، وغرائز وجوالقات ويفتل منها حبال، ويسلم الجلد الى الدباغ، ثم الى خرازي القرب والروايا والمزاود، وما كان في الجلود يصلح نعالا وخفافا فأعمل منه ثم يجمع ذلك كله الى خزائن، وكان في الوقت نفسه قد جمع الصبيان في دور وأقام عليها قوما، وأجرى عليهم ما يحتاجون اليه، ونصب لهم عرفاء، وأخذ يعلمهم ركوب الخيل والطعان، فنشأوا لا يعرفون غير الحرب

ويذكر أن جيش المقتدر بالله الذي أرسله للقضاء على الدولة القرمطية كان يزيد على الثمانين الف محارب وجيش القرامطة الذي تصدى له حسب ما اتفق عليه الباحثون لم يتجاوز الفان وسبعمائة رجل وجاء ذكر ذلك في رسالة أبي طاهر للخليفة المقتدر. ويدل هذا على مدى تمسك الناس بدولة قامت بتأمين العدالة الاجتماعية للناس وقضت على الفقر

في رسالة لأبي طاهر للخليفة المقتدر أبدى رغبته في الاستيلاء على البصرة، والأهواز في مقابل الكف عن التعرض للحجيج، ويتضح من خلال الكتاب، مستوى الضعف الذي وصلت اليه الدولة العباسية حينها، واللامبالاة التي يبديها القرامطة لتهديدات الخليفة المقتدر، فقد جاء فيه وصف الخليفة بقائد الأرجاس المسمى بولد العباس، وبعد ذلك يذكر أبو طاهر القرمطي الأسباب التي دعته للإعتداء على قوافل الحجيج، ويعيب على المقتدر تسمية نفسه بالمقتدر بالله، فيقول : أي جيش صدمك فاقتدرت عليه، أم أي عدو ساقك فابتدرت اليه ؟ فأما ما ذكرت من قتل الحجيج واضراب الامصار، واحراق المساجد فوالله ما فعلت تلك إلا بعد وضوح الحجة كإيضاح الشمس، وادعاء طوائف منهم أنهم أبرار، ومعايشتي فيهم أخلاق الفجار، فحكمت عليهم بحكم الله "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"، خبرني أيها المحتج لهم أي المقتدر والمناظر عنهم، في أي آية من كتاب الله او اي خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إباحة شرب الخمور، وضرب الطنبور، وعزف القيان، ومعانقة الغلمان، وقد جمعوا الأموال من ظهور الأيتام، وحووها من وجوه الحرام. وختم أبو طاهر سليمان بن ابي سعيد الجنابي رسالته بدعوة الخليفة العباسي بعدم اللجوء الى التهديد "بل اعزم على ما أنت عليه عازم، واقدم على ما أنت عليه قادم"

أظهر أبو طاهر الجنابي في هذه الحملة قوة البأس والشجاعة، وشهد له أعداؤه حضوراً في مقدمة كل الحملات والمعارك التي خاضها جيشه المكون من ألف وخمسمائة، أو قيل ألفين وسبعمائة مقاتل، فيهم سبعمائة فارس وثمانمائة راجل وكانت جيوش الخلافة التي قابلوها أقلها ستة آلاف، وأكثرها ثمانون ألف مقاتل، حتى ان المقتدر لما سمع بعدة جيشه، وجيش القرامطة قال لعن الله نيفا وثمانين ألف يعجزون عن قتال الفين وسبعمائة. هذا هو أبو طاهر الذي وصلت في عهده الدولة القرمطية الى أوج قوتها، وفترتها الذهبية

إن القرامطة لم يكونوا أول من قطع طريق الحجيج، فقد سبق لقبيلة بني سليم قطع طريق الحج لسنوات عديدة قبل ظهور القرامطة، كما قطع بنو عقيل طريق الحج وغيرهم من القبائل مثل طي والمنتفق ولم تكن الدوافع لدى هؤلاء ذات صلة بالعقائد، لا عند القرامطة ولا عند القبائل الأخرى واستناداً الى الأزهري كما جاء في معجم الأدباء لياقوت الحموي وغيره، بأن غالبية القرامطة من الفلاحين البدو وأصحاب الحرف في المدن وهؤلاء لا يعنيهم الدين في كثير أو قليل، لأنهم يتعاملون معه بالحدود السطحية التي يسهل عليهم فهمها

ان قطع طريق الحجيج مهنة مربحة تدر أموالا منذ مطلع القرن الثاني للهجرة، و كانت القبائل تتصارع للفوز بهذه المهنة، وأبو طاهر القرمطي نفسه كان حارسا لطريق الحج، وكان يتقاضى مخصصات مالية من خليفة بغداد لقاء قيامه بهذا العمل. أما الحجر الأسود فقد جاء في الحاشية الرابعة في كتاب أخبار مكة انه قد أزيل من مكانه غير مرة من قبائل جرهم، والعمالقة، وخزاعة، ثم القرامطة، وقد اختلف المؤرخون حول من أرجعه ومتى ؟

مرحلة أبي طاهر كانت فترة ذهبية لقرامطة البحرين، وطدوا فيها سلطانهم في الأحساء، والقطيف والبحرين، واستولوا على عمان مرات متتالية بطلب من أهلها، كما أنهم كانوا يتقاسمون الإشراف على البصرة مع العباسيين، وكان لهم ديوان بميناء البصرة ورجل يأخذ المكوس باسمهم، ذكر ذلك المقدسي في كتابه (احسن التقاسيم) وقد استولى ابو طاهر على الكوفة عدة مرات وتركها مختارا لعدم ثقته باهلها كما استولى على الكوفة والأنبار بل لقد اقترب من فتح بغداد لولا قطع القنطرة

ان الحروب التي خاضها أبو طاهر والقرامطة بشكل عام لم تكن فتوحات ولا نشراً لدعوة، إنما هي غزواً لزيادة موارد الدولة المالية، فعلى الرغم من وجود النخيل الكثير في المنطقة التي سيطر عليها القرامطة، وعلى الرغم من خصوبة الأرض النسبية التي استخدم القرامطة لزراعتها ثلاثين ألف عبد زنجي وحبشي، عدا الفلاحين المحليين وملاك الأرض الزراعية من غير آل الجنابي ووزرائهم من آل سنبر، فان مدخول الدولة من الزراعة كان أقل بكثير من مداخيل مكوس حماية طريق الحجيج، ومكوس سواد الكوفة والبصرة، ومن رسوم المرور التي تأخذ من السفن التي تبحر من الخليج، والضرائب السنوية القادمة من عمان، وعائدات الجزية المفروضة على البدو، وحصة الحكام من صيد اللؤلؤ اضافة الى الغنائم التي كانت تأتي بها السرايا من الغزوات التي تشنها في كل اتجاه أي أن واردات دولة القرامطة من الزراعة لم تكن أكثر من 5 % من مجموع وارداتها ولعل ذلك هو الذي يفسر هذا السعي للحرب

لابد هنا من ذكر بعض المفارقات في تاريخ القرامطة. هناك نص في "تاريخ بغداد" يفيد بأن أبا حنيفة كان يفتي بالقتال إلى جانب القرامطة وهذه الفتوى تجعلنا نعيد النظر في كل الاتهامات الإلحادية التي ألحقت بهم، فقد يعني هذا أن تفسيرهم للدين لا يبعدهم كثيراً عن حظيرة الاسلام. وتأييد ابي حنيفة لهم غير مستغرب، فقد كان قبل ذلك -كما يقول الزمخشري في الكشاف- يفتي سراً بوجوب نصرة الامام الثائر زيد بن علي الذي ثار ضد الدولة العباسية، كما أن علي بن عيسى، -أحد الوزراء العباسيين- ورغم الضغوطات الشديدة التي واجهها لم يقبل بتكفير 

هناك تساؤل منطقي آخر عن هذا الضعف الذي طرأ على الدولة العباسية وأمرائها، حيث ان أبا طاهر هاجم الكعبة ومعه ستمائة فارس وتسع مائة راجل وقلع باب البيت الحرام، وقبة زمزم والحجر الاسود ثم عاد ومعه الحجر الأسود الى الأحساء. ولم تتمكن الخلافة العباسية من اتخاذ أي إجراء ضده، بل اكتفى الخليفة المقتدر بارسال رسالة اليه يعاتبه فيها ويتوعده، فرد عليه أبو طاهر بما يدل على عدم اكتراثه به، والأدهى من ذلك كيف يعقل أن يبقى الحجر الاسود زهاء عشرين سنة في الأحساء ولم يتحرك جيش ولا كتيبة، ولا غيور من المسلمين لاسترجاعه، لا من قبل الدولة العباسية التي حشدت أربعين الف مقاتل لمنع ابي طاهر من دخول بغداد، ولا من الدولة الفاطمية التي بسطت نفوذها على المغرب العربي، ومصر وبلاد الشام، والتي كانت جيوشها في حالة أفضل من التشرذم الذي بليت به جيوش الدولة العباسية، ولم يذكر أحد من الكتاب أو الأدباء أو الشعراء أو المؤرخين انه زار مكة، وأراد استلام الحجر الأاسود فلم يجده في مكانه، ولم يذكر أحد من التجار أو قوافل الحج القادمة من فارس أو العراق خلال العشرين سنة أنه رأى الحجر الأسود في طريقه الى الحج عند عبوره الأحساء

كما لم نجد في كتب السير ولا في قصائد الشعراء ردود أفعال بكائية أو عاطفية عن غياب هذا الحجر المعبود، ولم نجد أيضا كلاماً عن احتفال ما بمناسبة رجوع الحجر الاسود الى مكة، ولم يفتخر سلطان ذلك الزمان، وينادي باسمه في كل بلاد المسلمين على أنه حقق انتصاراً للإسلام وأرجع الحجر الاسود بعد عشرين سنة من اغتصابه. هل يعني هذا أن هذا الحادث ربما لم يقع أصلاً. وما ذكر من أقوال متضاربة حول رد الحجر تكفي على ضعفها، فقد ذكر ابن الاثير ان أبا طاهر هو من رده، وذكر ابن الاثير نفسه في رواية اخرى ان ابا طاهر لم يقبل عرضا ولم يستجب لطلب الفاطميين والعباسيين برده، وهناك كثير من الروايات الاخرى
فهل حقيقة أن الحجر الأسود اقتلع من مكة أم أن هذه الرواية ليست سوى دعاية نسجتها السياسة العباسية للمساس بسمعة أعدائها القرامطة كما فعلت سابقا مع الأسرة الفاطمية حيث شككت في صحة نسبهم العلوي مدعية انهم من أصل يهودي

حقوق المرأة
يرى البعض أن دولة القرامطة شكلت إحدى الحالات الإشتراكية الأقدم في التاريخ البشري، إذ تم بناء تعويض إجتماعي حيث أن أي مواطن مثلا كان يحرق بيته كانت الدولة تبني له بيتاً جديداً و تعوض خسارة الفلاح او الحرفي و قد ذكر الباحث السوري محمد أمين جوهر أن الدولة القرمطية كانت تقدم العون المادي لمن يستطيع أن يبني عملا أو حرفة أو زراعة، و أنهم قامو بشق الأقنية وزراعة النخيل، وكان يمنع ذبح الحيوانات بين الناس فقد كانت الدولة هي التي تقوم بذبح الأغنام والحيوانات وتوزع اللحم على الناس وهم أول من بنى مطاحن الحبوب لتخفيف عبء العمل عن المرأة التي كانت بدورها تشارك بالعمل، حيث تعتبر حقوق المرأة عند القرامطة متطورة جدا مقارنة مع باقي الدول الإسلامية التي توالت في ذلك التاريخ، أما تمويل الدولة فكان من خلال الضرائب التي تأخذها نتيجة مشاركتها في معظم الأعمال وكان يدخل كذلك في خزينة الدولة الضرائب التي فرضها القرامطة على الدولة العباسية و يذكر أن جيش المقتدر بالله الذي أرسله للقضاء على الدولة القرمطية كان يزيد على الثمانين ألف محارب وجيش القرامطة الذي تصدى له حسب ما اتفق عليه الباحثيون لم يتجاوز ألفان وسبعمائة رجل و جاء ذكر ذلك في رسالة أبي طاهر للخليفة المقتدر و يدل ذلك على مدى تمسك الناس بدولة قامت بتأمين العدالة الإجتماعية للناس وقضت على الفقر في فترة أوجها

عقائد القرامطة (بتحفظ كبير)
أخذوا على عاتقهم إيجاد مجتمع يعتبر الدين خرافة والثواب والعقاب والمعاد أمورًا لا تصدق
كانوا يجحدون شعائر الإسلام كلها خصوصًا شعائر الحج والتي قالوا عنه أنها شعائر جاهلية وثنية لذلك فلقد عملوا دائمًا على قطع طريق حجاج العراق
أنكروا يوم القيامة وأنكروا بعث الأجساد والجنة والنار
أنكروا وجود الأنبياء

أهم شخصياتهم 
حمدان بن الأشعث، المعروف أيضاً باسم قرمط
أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد
أبو القاسم سعيد بن أبي سعيد
أبو المنصور أحمد بن أبي سعيد
أبو سعيد الحسن بن بهرام الجنابي 
أبو هارون الخطي
أبو يعقوب يوسف بن الحسن الجنابي
عبدان الداعية
يحيى بن زكرويه

أراء وكتابات أعدائهم
أهل السنة: يعتقد أهل السنة أن القرامطة هي حركة باطنية هدامة، تنتسب إلى شخص اسمه حمدان بن الأشعث ويلقب بقرمط لقصر قامته وساقيه وهو من عربستان في الأحواز ثم رحل إلى الكوفة، وقد اعتمدت هذه الحركة التنظيم السري العسكري، وكان ظاهرها التشيع لآل البيت والانتساب إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق وحقيقتها الإلحاد والإباحية وهدم الأخلاق والقضاء على الدولة الإسلامية
هذه الحركة كان هدفها محاربة الإسلام بكل الوسائل وذلك بارتكاب الكبائر وهتك الأعراض وسفك الدماء والسطو على الأموال وتحليل المحرمات بين أتباعهم حتى يجمعوا عليهم أصحاب الشهوات والمراهقين وأسافل الناس

كتاب فضائح الباطنية / الغزالي : ..لان سبيل دعوتهم أنهم يخاطبون كل فريق بما يوافق رأيه بعد أن يظفروا منهم بالانقياد لهم والموالاة لامامهم فيوافقون اليهود والنصارى والمجوس على جملة معتقداتهم ويقرونهم عليها

تاريخ ابن خلدون : ثم سار أبو طاهر القرمطي سنة تسع عشرة إلى مكة، وحج بالناس منصور الديلمي، فلما كان يوم التروية نهب أبو طاهر القرمطي اموال الحجاج وفتك فيهم بالقتل حتى في المسجد والكعبة واقتلع الحجر الأسود وحمله إلى هجر، وقسم أبو طاهر القرمطي كسوة البيت على اصحابه ونهب بيوت اهل مكة

البداية والنهاية لابن كثير : ‏ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومائتين‏ قال‏‏ وفيها تحركت القرامطة وهم فرقة من الزنادقة الملاحدة اتباع الفلاسفة من الفرس الذين يعتقدون نبوة زرادشت ومزدك ويقال لهم‏‏ الباطنية‏

ابن تيمية : والشيعة استتبعوا أعداء الملة من الملاحدة والباطنية وغيرهم، ولهذا أوصت الملاحدة -مثل القرامطة الذين كانوا في البحرين وهم من أكفر الخلق، ومثل قرامطة المغرب ومصر وهم كانوا يستترون بالتشيع- اوصوا بان يدخل على المسلمين من باب التشيع، فانهم يفتحون الباب لكل عدو للإسلام من المشركين و،هل الكتاب والمنافقين، وهم من أبعد الناس عن القرآن والحديث، وهذا كما أن الفلاسفة ومن سلك سبيلهم من القرامطة والاتحادية ونحوهم يجوز عندهم أن يتدين الرجل بدين المسلمين واليهود والنصارى.‏‏ ومعلوم ان هذا كله كفر باتفاق المسلمين

رأي الشيعة في القرامطة : إعلموا أسعدكم الله أنّ ضرر الباطنيّة على فرق المسلمين أعظم من ضرر اليهود والنصارى والمجوس عليهم، بل أعظم من مضرّة الدهرية وسائر أصناف الكفرة عليهم، بل أعظم من ضرر الدجّال الذي يظهر في آخر الزمان لأنّ الذين ضلّوا عن الدين بدعوة الباطنيّة من وقت ظهور دعوتهم إلى يومنا أكثر من الذين يضلّون بالدجّال في وقت ظهوره، لأنّ فتنة الدجّال لا تزيد مدّتها على أربعين يوماً وفضائح الباطنيّة أكثر من عدد الرمل والقطر» 
وإذا نظرنا خلال التاريخ الإسلامي، لوجدنا أنّ كلّ من أنشأ خرقاً في الإسلام كان من أحفاد اليهود أو النصارى، وأغلب مُنشئي مذاهب الباطنيّة من المجوس، قصدهم بذلك هدم الإسلام وإعادة عبادة النيران ومن ضمن هذه الطوائف الباطنيّة. الإمام الإسفرائيني

lundi 20 janvier 2014

حركة النهضة والثورة التونسية

حركة النهضة والثورة التونسية
طوال الايام الاولى للثورة التونسية، لم يرصد لحركة النهضة، سواء بالداخل او الخارج، اي موقف من أحداثها ولا من مطالبها، لكن هذه الضبابية لم تدم طويلا في تاريخ ٨ جانفي ٢٠١١ وعبر قناة الحوار اللندنية علّق راشد الغنوشي على الثورة بأنها " احتجاجات أبناء نظام بن علي" الذين وصفهم ب" مجموعة من الشباب المستعد لبيع البلاد" دون ان يغفل عن التشديد على ان لا احد من أبناء حركة النهضة شارك فيها لأنهم " بين السجون او المنفى".
هذه التصريحات التي أدلى بها زعيم حركة النهضة سرعان ما نفاها في برامج إذاعية تلفزية وأنكر انه قالها، وتحدث يومها عن دعم الحركة للثورة، وهذا الدعم القادم من الخارج عبر الاحتجاج امام سفارات تونس في الخارج، ومنها سفارة تونس بإنجلترا التي شارك فيها الغنوشي يوم ١٢ جانفي اي بعد أربعة ايام من تنكره لها.
ما أتاه راشد الغنوشي يمثلا عينة جيدة لرصد ملامح التكتيك السياسيّ لحركة النهضة، ويمكن أن نتّخذ التدخلات الإعلامية لكوادر الحركة ورموزها المقيمين في الخارج نقطة ارتكاز. فالجامع بين هذه التدخلات هو إجماعها على ان ما يحدث ليس من تدبير حركة النهضة وان بن علي يمكنه ان ينقذ البلاد ثانية. فقد رأينا، مثلا، زياد الدولاتلي عبر قناة الجزيرة الفضائية بتاريخ ١٢ جانفي يتحدث عن ٧ نوفمبر جديد .
هذا الخيار الذي اتبعته حركة النهضة في التعاطي مع احداث الثورة، كمناسبة لانتزاع الاعتراف بها وإطلاق سراح مساجينها من قبل النظام السابق، ربما الدافع له ولغياب شعارات حركة النهضة ،كالتكبير والصداح بالشهادة، اضافة الى غياب قواعدها، باستثناء حالات فردية، عن السّاحات الاحتجاجيّة الداخليّة، ولعل ذلك يندرج في باب التكتيك السياسيّ الرامي إلى الحفاظ على سلامة القواعد من العودة للسجون ؟
غير ان الحركة و مباشرة بعد 14 جانفي، حرصت على ان تطبع الثورة ببصمتها فكان صوت التكبير . وتهادت الجلابيّات في شارع بورقيبة بالعاصمة التونسيّة. وانعقدت حلقات نقاش عديدة حول العلمانيّة واللائكيّة والهويّة، لنصل في مرحلة اخرى الى الحديث عن ثورة إسلامية يطلقها اليوم متعاطفون مع الحركة او قريبون منها وربما غداً تطلقها حركة النهضة.

مذكرات عضو النظام الخاص للإخوان

مذكرات عضو النظام الخاص للإخوان: الدكتور عبدالعزيز كامل: حسن البنا لم يؤمن إطلاقاً بمبدأ الشوري:
مذكرات عضو النظام الخاص للإخوان: الدكتور عبدالعزيز كامل: حسن البنا لم يؤمن إطلاقاً بمبدأ الشوري
اضيف الخبر في يوم السبت 23 ديسمبر 2006. نقلا عن: المصرى اليوم

PDF

مذكرات عضو النظام الخاص للإخوان: الدكتور عبدالعزيز كامل: حسن البنا لم يؤمن إطلاقاً بمبدأ الشوري
مذكرات عضو النظام الخاص للإخوان: الدكتور عبدالعزيز كامل: حسن البنا لم يؤمن إطلاقاً بمبدأ الشوري


كشفت مذكرات الدكتور عبدالعزيز كامل عضو النظام الخاص بالإخوان المسلمين ووزير الأوقاف الأسبق التي صدرت مؤخراً عن «المكتب المصري الحديث»، عن مفاجآت جديدة حول واقعة مقتل الخازندار، وخلافات عبدالرحمن السندي زعيم النظام الخاص مع حسن البنا مرشد الجماعة الأول، خلال الجلسة التي عقدت في اليوم التالي لواقعة الاغتيال، والتي بدا فيها البنا متوتراً للغاية حتي أنه صلي العشاء ثلاث ركعات.


وأدان كامل في مذكراته التي قدم لها الدكتور محمد سليم العوا، عدم إيمان حسن البنا بمبدأ الشوري، وكذلك اتباع النظام الخاص أسلوباً يشبه النظم الماسونية، وعدم حنكة الجماعة في اتخاذ القرارات بل والتسرع فيها اعتقاداً منها أن الله سيتكفل بإصلاح أخطائهم.

وفجر كامل مفاجأة بكشفه عن وجود علاقات بين الجماعة الإسلامية التي كان يرأسها أبو الأعلي المودودي في باكستان والإخوان، وسعي المودودي إلي ضرورة التنسيق بينه وبين الإخوان في طرق العمل.

وتناولت المذكرات ما أسمته بـ«صدمة سيد قطب من ضحالة فكر قيادات الجماعة»، كما تعرضت لماحدث للهضيبي المرشد الثاني للجماعة أثناء الاعتقال.

الدكتور عبدالعزيز كامل في ذمة الله الآن، وقد كتب مذكراته وأوصي بنشرها بعد أن ظلت حبيسة الأدراج أكثر من خمس عشرة سنة، وقد حكي فيها مشوار حياته، بداية من ميوله الصوفية ثم التحاقه بدعوة الإخوان المسلمين والعمل مع قياداتها. وقد شاء القدر أن يوجد في مواقع متباينة، من معتقل القلعة إلي السجن الحربي ومن التدريس بالمدارس الابتدائية إلي الجامعة وصولاً إلي كرسي الوزارة.. وقد ذكر أنه كم من مرة انتقل من مكان إلي آخر وفي يده قيد حديدي، ومرة أخري كانوا يفرشون تحت قدميه بساطاً أحمر، ليقف علي منصة الشرف يستعرض الحرس، ومرة تعبر به سيارة صامتة شوارع القاهرة وعلي عينيه عصابة سوداء.

تعرف عبدالعزيز كامل علي فكر الإخوان عندما التقي بصديق له يدعي محمد عبدالحميد في آداب القاهرة عام ١٩٣٦ وقرأ له تلخيصاً لدعوة الإخوان المسلمين علي أحد دواليب الكلية، ثم تلقي منه دعوة للحضور بالمركز العام للإخوان المسلمين في ١٣ شارع الناصرية بالسيدة زينب للاستماع إلي حديث حسن البنا الإسبوعي يوم الثلاثاء. وهذا المقر هو الأول للجماعة بالقاهرة.

يومها ركز البنا في حديثه علي الإيمان والعبادة ثم انتقل إلي فريضة الجهاد، وهو ما يعد شرحاً لخواتيم سورة الحج، التي لا تجد عضواً في الجماعة إلا وحفظها. وأوضح البنا أن المسلم هو أستاذ الإنسانية وأن أمته أستاذة العالم، وأن عليه أن يوقن بذلك.

واعتبر كامل حديث «البنا» انتقالاً بالدعوة إلي الصعيد العالمي، وحاول كامل أن يدرس جوانب شخصية المرشد الأول للجماعة، ولماذا لم يختر لنفسه اسم الرئيس أو ما شابهه. وأدرك فيما بعد أن لقب المرشد نبع من اتباع البنا الطريقة الصوفية الحصافية بالبحيرة، وتردده علي مجالس الذكر فيها مما ترك لمسة صوفية علي تصرفاته.

وانتقل كامل في مذكراته إلي أحداث صباح يوم ٢٢ مارس ١٩٤٨ عندما تم اغتيال المستشار أحمد الخازندار أمام منزله في حلوان، وهو متوجه إلي عمله، علي أيدي شابين من الإخوان هما: محمود زينهم وحسن عبدالحافظ، وأرجع كامل الحادث إلي مواقف الخازندار المتعسفة في قضايا سابقة أدان فيها بعض شباب الإخوان لاعتدائهم علي جنود بريطانيين في الإسكندرية بالأشغال الشاقة المؤبدة في ٢٢ نوفمبر ١٩٤٧.

وقد استدعي البنا للتحقيق في مقتل الخازندار ولكن أفرج عنه لعدم كفاية الأدلة.

وسرد كامل مادار في الجلسة الخاصة التي عقدتها الجماعة برئاسة البنا وحضور أعضاء النظام الخاص حول مقتل الخازندار حيث بدا المرشد متوتراً علي حد قوله وعصبياً وبجواره عبدالرحمن السندي رئيس النظام الخاص الذي كان لا يقل توتراً وتحفزاً عن البنا، إضافة إلي قيادات النظام أحمد حسنين، ومحمود الصباغ وسيد فايز وأحمد زكي وإبراهيم الطيب ويوسف طلعت وحلمي عبدالحميد وحسني عبدالباقي وسيد سابق وصالح عشماوي وأحمد حجازي ومصطفي مشهور ومحمود عساف.

وفي هذه الجلسة قال المرشد: إن كل ما صدر مني تعليقاً علي أحكام الخازندار في قضايا الإخوان هو «لو ربنا يخلصنا منه» أو «لو نخلص منه» أو «لو حد يخلصنا منه» بما يعني أن كلماتي لا تزيد علي الأمنيات ولم تصل إلي حد الأمر، ولم أكلف أحداً بتنفيذ ذلك، ففهم عبدالرحمن السندي هذه الأمنية علي أنها أمر واتخذ إجراءاته التنفيذية وفوجئت بالتنفيذ.

ولفت كامل إلي أن البنا مساء يوم الحادث ولهول ما حدث صلي العشاء ثلاث ركعات وأكمل الركعة سهواً وهي المرة الوحيدة التي شاهد فيها أعضاء التنظيم المرشد يسهو في الصلاة.

ورصدت المذكرات احتدام الخلاف بين البنا والسندي أمام قادة النظام الخاص، وهو ما ظهر حين قال كامل للبنا: أريد أن أسألك بعض الأسئلة وتكون الإجابة بنعم أو لا.. فأذن له البنا.. فسأله:

كامل: هل أصدرت أمراً صريحاً لعبدالرحمن السندي باغتيال الخازندار، وهل تحمل دمه علي رأسك وتلقي به الله يوم القيامة؟

فأجاب البنا: لا.

فقال كامل: إذن فضيلتكم لم تأمر ولا تحمل مسؤولية هذا العمل أمام الله؟

فأجاب البنا: نعم.

فوجه كامل أسئلته إلي السندي بعد استئذان البنا.

سائلاً: ممن تلقيت الأمر بهذا؟

السندي: من الأستاذ حسن البنا.

كامل: هل تحمل دم الخازندار علي رأسك يوم القيامة؟

السندي: لا!!

كامل: إذن من يتحمل مسؤولية الشباب الذين دفعتم بهم إلي مقتل الخازندار؟

السندي: عندما يقول الأستاذ إنه يتمني الخلاص من الخازندار فرغبته في الخلاص منه أمر.

كامل: مثل هذه الأمور لا تؤخذ بالمفهوم أو بالرغبة.

وسأل المرشد: هل ستترك المسائل علي ما هي عليه أم تحتاج منك صورة جديدة للقيادة وتحديد المسؤوليات؟

فرد البنا: بل لابد من تحديد المسؤوليات. 

واستقر الرأي علي تكوين لجنة تضم كبار المسؤولين عن النظام الخاص، بحيث لا ينفرد السندي برأي أو تصرف وأن تأخذ اللجنة توجيهاتها الواضحة من البنا نفسه، وفق ميزان ديني، وهو الدور الذي قام به الشيخ سيد سابق، وأوضح كامل أن سابق أصبح ميزاناً لكبح حركة الآلة العنيفة داخل الإخوان.

وذكر كامل أن هذه هي المرة الأولي التي خضع فيها السندي للمحاسبة أمام البنا وقيادات النظام الخاص وكذلك الأولي بالنسبة للمرشد، التي يقف فيها صراحة أمام نفسه إلي الدرجة التي دفعته لأن يقول للسندي: أنا لم أقل لك ولا أتحمل المسؤولية، ورد السندي: لا.. أنت قلت لي وتتحمل المسؤولية.

وحكي كامل أنه التقي صلاح عبدالحافظ المحامي وشقيق أحد المتهمين في مقتل الخازندار ووجده ناقماً علي الجماعة التي أوقعته في تلك الظروف، وسعيه إلي إثبات أن أخاه يعاني من انفصام في الشخصية حتي ينجو من الإعدام.

وأشار كامل إلي أن عام ١٩٤٨ ومطالع عام ١٩٤٩ كانت أكثر الأعوام دموية عند الإخوان، ولهذا فتحت لهم المعتقلات وأعدت قوائم بالآلاف كانت تحت يد رجال الثورة حين أرادوا توجيه ضربتهم للإخوان سنة ١٩٥٤ وما بعدها.

بعد هذه الأحداث نقل البنا لكامل رغبته في التفرغ لتعليم وتربية وتكوين الشباب.. مائة شاب فقط يقابل بهم ربه ليجادلوا عنه يوم القيامة.. كان هذا الفكر قد تبلور في ذهن البنا بعد نصيحة تلقاها من عبدالستار سيت سفير باكستان في القاهرة بأن يعتني البنا بمن يتوسم فيهم الذكاء والوصول يوماً إلي مقاعد الحكم وبعدم العجلة، وسيكون لديه وقتها جيل قادر علي التغيير.

وعرج كامل علي فكر الإمام البنا مؤكداً أن البنا لم يؤمن بمبدأ الشوري، وأن الشوري عنده غير ملزمة للإمام، وإنما هي معلمه فقط، وقد كتب البنا هذا الرأي ودافع عنه ولم يتحول عنه، بل وسرَّي هذا الفكر إلي من حوله في أواخر الثلاثينيات وهي السنوات الأولي لكامل في الإخوان، حيث كان يسمع كثيراً كلمة «بالأمر» رغم أنها كلمة عسكرية، ولهذا لا يجد عضو الإخوان من يناقشه إذا كلفه رئيسه المباشر بأي أوامر بل ينبغي أن يكون هذا محل تسليم، وهي نقطة الخطورة التي أصابت جسم الإخوان بالخطر من وجهة نظر كامل، حيث أسس البنا النظام الخاص علي السمع والطاعة والكتمان وهو ما سهل خروج النظام عن أهدافه.

وبالنسبة للنظام الخاص يقول الدكتور عبدالعزيز كامل: كان عبدالرحمن السندي المسؤول رقم «١» فيه، رغم معاناته من روماتيزم في القلب، ولذا كان السؤال الذي يدور في خلد كامل دائما هو: كيف يتحمل السندي مسؤولية نظام يحتاج منه إلي المرور علي المحافظات والإشراف علي التدريب والرحلات الخلوية، حيث أصوات طلقات الرصاص والقنابل اليدوية، ويتساءل كامل كيف تمنع صحة السندي إتمامه للدراسة الجامعية وتساعده علي الإشراف علي هذا الجهاز الخطير الذي يحتاج إلي أعلي درجات اللياقة البدنية والفكرية؟ كما أن شعوره، بمكانته لدي المرشد وأفضليته علي أعضاء مكتب الإرشاد وتمسكه بموقعه يفقده القوامة لقيادة الجهاز.

وكشف كامل عن أن الترشيح لعضوية النظام يخضع لسلسلة من الاختبارات تتركز علي قدرة المرشح علي السمع والطاعة، فكان يحمل حقيبة من مكان لآخر ولا يعرف ما فيها ويراقب تصرفاته أحد أعضاء النظام وقد لا يكون فيها أكثر من ملابس عادية، أو قطع من الحديد تشعره بالثقل، وقد يؤمر بنقلها من بلد لآخر، أو الاحتفاظ بها أياماً، ولديهم وسائل يعرف من خلالها ما إذا كانت الحقيبة قد فتحت أم لا.. فإذا اجتاز تلك الاختبارات تحددت له ليلة البيعة داخل شقة لأحد قادة التنظيم في حي السيدة عائشة قرب جبل المقطم ويبيت عنده المرشحون يتعبدون طوال الليل ثم يؤمرون واحداً بعد الآخر بالدخول إلي غرفة مظلمة، لا يري فيها أحد، ويجلس علي الأرض بعد خطوات محددة، ويمد يده إلي حيث يوجد مصحف ومسدس وتمتد يد ممثل المرشد ليبايعه علي السمع والطاعة والكتمان دون أن يري وجهه.

ويذكر كامل تجربته حين دخل كي يبايع المرشد ولم يكن الصوت غريبا عليه فقال: ما هذا يا عشماوي وهل من الإسلام أن أضع يدي في يد من لا أعرف؟ ثم إنني أعرفك من صوتك وأتحدث معك كل يوم ما هذه الأساليب التي أدخلتموها علي عملنا ولا أساس لها من ديننا؟ فأجاب صالح عشماوي وكان عضوا في مكتب الإرشاد ورئيس تحرير مجلة الإخوان: هذا نظامنا.

بعد البيعة يذهب من أقسم إلي جبل المقطم يتدرب علي إطلاق النار فترة قصيرة، حيث كانت الأسلحة مخبأة في مكان هناك حتي لا يضطروا إلي حملها كل مرة، ويعودون بعد هذا إلي منزل البنا وبصحبتهم السندي في لقاء قصير يحييهم فيه ويدعو لهم بالخير.

وانتقد كامل هذا الأسلوب السري الذي اتبعته الجماعة معتبراً أن طقوس الانضمام إلي النظام الخاص أشبه بالنظم الماسونية، فضلاً عن آثار هذا الأسلوب الوخيمة علي طريقة العمل الإسلامي.

وأبدي كامل استياءه من فكر الإخوان، لأنهم لا يبذلون الكثير من الوقت والجهد في تقليب الأمور واتخاذ القرارات ودراستها بعمق، اعتقاداً منهم بأنهم إذا أخطأوا فإن عناية الله ستتكفل بإصلاح هذا الخطأ.

ورصد كامل صدام الإخوان مع ثورة يوليو بعد سعي الإخوان لإصدار مجلة جديدة بجانب مجلة «الدعوة» ومحاولة سيد قطب وحسن الهضيبي احتواء الأزمة، حيث تقدم كامل باقتراح يقضي بالاكتفاء بسلسلة من الرسائل، لأن المجلة ستضطر الإخوان إلي اتخاذ مواقف، وقد تعودهم علي أساليب النقد والمعاداة أكثر من طرح الاقتراحات البناءة، كما أن المجلة ستؤدي إلي توسيع الهوة بين الإخوان والثورة وهو ما حدث بالفعل، حيث اضطر الرقيب إلي حذف مقالات ورسوم كاريكاتورية مما زاد حدة التوتر.

وصل في هذا الوقت «ظفر الأنصاري» إلي القاهرة وهو أحد المقربين من أبوالأعلي المودودي أمير الجماعة الإسلامية في شبه القارة الهندية، وأخبر كامل أن لديه رسالة من المودودي إلي حسن الهضيبي مرشد الإخوان الأسبق، وبالفعل التقيا به، ودارت رسالة المودودي حول حتمية عدم صدام الإخوان بالثورة بأي طريقة، لأن الجماعة الإسلامية وقتها كانت تخوض تجربة قاسية مع حكومة باكستان فزعماؤها في السجن ونشاطها مقيد ومن الممكن أن يستطيع الإخوان تقديم العون لهم إذا حافظوا علي قوتهم أما إذا دخلوا في صراع مع عبدالناصر فلن تتلقي الجماعة الإسلامية أي دعم مادي أو أدبي منهم، وكان المودودي يأمل في تعاون الجماعات الكبيرة مثل الإخوان والجماعة الإسلامية.

ويوضح كامل أن الجماعة الإسلامية لم تكن تؤمن بالعنف بعكس الإخوان المسلمين، فالمودودي يعرف أن يدهم قد تتحرك بالسلاح سريعاً في حالة اشتباكهم مع الثورة، وهو ما لا يريده لهم، وحاول كامل أن يعضد وجهة نظر المودودي عند الهضيبي، لأن الخاسر من الصراع هو الشعب والإسلام.